|
فهرس البيع
تعريف
البيع
مشروعية البيع
ركن البيع
أو كيفية انعقاده
بيع
المعاطاة
صفة
الإيجاب والقبول - الكلام في خيار المجلس
شروط البيع
شروط
الإيجاب والقبول
مبدأ وحدة
الصفقة وتفريقها
شروط صحة
البيع
حقوق البيع
التابعة للحكم
الثمن
والمبيع
معنى
التسليم أو القبض وكيفية تحققه
بيع الدين
حكم التأمين
مع شركات التأمين في الإسلام
بيع النجس
والمتنجس
بيع
العربون
بيع الماء
المطلب
الثاني- أنواع البيع الفاسد
بيع
المجهول
البيع
المعلق على شرط والبيع المضاف
بيع العين الغائبة أو غير المرئية
بيع الأعمى
وشراؤه
البيع
بالثمن المحرّم
البيع
نسيئة ثم الشراء نقداً- بيوع الآجال
بيع العنب
لعاصر الخمر
البيعتان
في بيعة أو الشرطان في بيع واحد
بيع
الأتباع والأوصاف مقصوداً
بيع الشيء
المملوك قبل قبضه من مالك آخر
اشتراط
الأجل في المبيع المعين والثمن المعين
البيع بشرط
فاسد
بيع الثمار
أو الزروع
حكم البيع الفاسد :
1-خيار الوصف، أو خيار فوات الوصف المرغوب فيه
2-
خيار النقد
3-
خيار التعيين
4-
خيار الغبن
5-
خيار كشف الحال
6-
خيار الخيانة
7-
خيار تفرق الصفقة
8-
خيار إجازة عقد الفضولي
9-
خيار تعلق حق الغير بالمبيع
10-
خيار الكمية للبائع
11-
خيار الاستحقاق
12-
خيار الشرط
13-
خيار العيب
14-
خيار الرؤية
الفصـل الأول
عقد البيع
تعريف البيع :
البيع لغة : مقابلة شيء بشيء، وهو من أسماء
الأضداد أي التي تطلق على الشيء وعلى ضده، مثل الشراء كما في قوله تعالى : {وَشَرَوْهُ
بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20] أي باعوه، ويقال لكل من المتعاقدين : بعائع وبيّع،
ومشتر وشار.
واصطلاحاً : مبادلة مال بمال على وجه مخصوص أو
هو مبادلة شيء مرغوب فيه بمثله على وجه مفيد مخصوص أي بإيجاب أو تعاطٍ.
والمراد بالمال عند الحنفية : ما يميل إليه
الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة. والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم. أو هو
كل عين ذات قيمة مادية بين الناس. وعليه لا تعتبر المنافع والحقوق المحضة مالاً عند
الحنفية. أما جمهور الفقهاء فقد اعتبروها مالاً متقوماً، لأن المقصود من الأعيان
منافعها.
والمقصود من البيع هنا : هو العقد المركب من
الإيجاب والقبول.
مشروعية البيع :
البيع جائز بأدلة من القرآن والسنة والإجماع.
أما القرآن : فقوله تعالى : {وَأَحَلَّ
اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] وقوله سبحانه : {وَأَشْهِدُوا إِذَا
تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] وقوله عز وجل : {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً
عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء : 29].
وأما السنة فأحاديث، منها : سئل النبي صلى الله
عليه وسلم : أي الكسب أطيب ؟ فقال : "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور" رواه البزار
وصححه الحاكم. أي لا غشي فيه ولا خيانة، ومنها حديث : "إنما البيع عن تراض" وقد بعث
الرسول صلى الله عليه وسلم والناس يتبايعون فأقرهم عليه، وقال : "التاجر الصدوق
الأمين مع النبيين، والصديقين، والشهداء" قال الترمذي : "هذا حديث حسن".
وأجمع المسلمون على جواز البيع، والحكمة
تقتضيه، لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي
تشريع البيع طريق إلى تحقيق كل واحد غرضه ودفع حاجته، والإنسان مدني بالطبع، لا
يستطيع العيش بدون التعاون مع الآخرين.
ركن البيع أو كيفية انعقاده :
ركن البيع عند الحنفية : هو الإيجاب والقبول
الدالان على التبادل أو ما يقوم مقامهما من التعاطي. فركنه بعبارة أخرى : الفعل
الدال على الرضا بتبادل الملكين من قول أو فعل، وهذا قولهم في العقود.
وللبيع عند الجمهور أركان أربعة : هي البائع
والمشتري والصيغة والمعقود عليه وهذا رأيهم في كل العقود.
والإيجاب عند الحنفية : إثبات الفعل الخاص
الدال على الرضا الواقع أولاً من كلام أحد المتعاقدين، سواء وقع من البائع كبعت، أو
من المشتري كأن يبتدئ المشتري فيقول : اشتريت بكذا.
والقبول : ما ذكر ثانياً من كلام أحد
المتعاقدين. فالمعتبر إذاً أولية الصدور وثانويته فقط سواء أكان من جهة البائع أم
من جهة المشتري.
وعند الجمهور : الإيجاب : هو ما صدر ممن يكون
منه التمليك وإن جاء متأخراً. والقبول: هو ما صدر ممن يصير له الملك وإن صدر أولاً.
فقالوا : ينعقد البيع بصيغة الماضي مثل : بعت،
واشتريت. وبصيغة الحال مع النية مثل : أبيع وأشتري.
بيع المعاطاة
:
بيع المعاطاة أو بيع المراوضة : هو أن يتفق
المتعاقدان على ثمن ومثمن، ويعطيا من غير إيجاب ولا قبول، وقد يوجد لفظ من أحدهما.
مثل : أن يأخذ المشتري المبيع، ويدفع للبائع
الثمن، أو يدفع البائع المبيع، فيدفع له الآخر ثمنه من غير تكلم ولا إشارة، سواء
أكان المبيع حقيراً أم نفسياً. وقد اختلف الفقهاء في حكمه.
فقال الحنفية والمالكية والحنابلة : يصح بيع
المعاطاة متى كان هذا معتاداً دالاً على الرضا ومعبراً تماماً عن إرادة كل من
المتعاقدين، والبيع يصح بكل ما يدل على الرضا، ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم
بالمعاطاة في كل عصر، ولم ينقل إنكاره عن أحد، فكان ذلك إجماعاً، فالقرينة كافية
هنا في الدلالة على الرضا.
وقال الشافعية : يشترط أن يقع العقد بالألفاظ
الصريحة أو الكنائية، بالإيجاب والقبول، فلا يصح بيع المعاطاة، سواء أكان المبيع
نفيساً أم حقيراً، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال : "إنما البيع عن تراض"
والرضا أمر خفي، فاعتبر ما يدل عليه من اللفظ، لا سيما عند إثبات العقد حالة
التنازع، فلا تقبل شهادة الشهود لدى الحاكم إلا بما سمعوه من اللفظ.
صفة الإيجاب والقبول - الكلام في
خيار المجلس :
لا يكون كل من الإيجاب والقبول لازماً قبل وجود
الآخر فإذا وجد أحدهما لا يلزم قبل وجود الشطر الآخر، ويكون لكل من المتعاقدين
حينئذ خيار القبول والرجوع، فإذا تم الإيجاب والقبول، فهل يكون لأحد العاقدين في
مجلس العقد خيار الرجوع ؟
اختلف العلماء فيه.
فقال الحنفية والمالكية : يلزم العقد بالإيجاب
والقبول، لأن البيع عقد معاوضة، يلزم بمجرد تمام لفظ البيع والشراء، ولا يحتاج إلى
خيار مجلس، ولقول عمر رضي الله عنه : "البيع صفقة أو خيار".
وقالوا عن حديث "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"
: المراد بالمتبايعين : هما المتساومان والمتشاغلان بأمر البيع، والمراد بالتفرق
التفرق بالأقوال : وهو أن يقول الآخر بعد الإيجاب : لا أشتري، أو يرجع الموجب قبل
القبول، فالخيار قبل القبول ثابت. ورد بعضهم هذا الحديث لمعارضته لآية {إِلا
أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] وآية {أَوْفُوا
بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1} وقال بعضهم : إنه منسوخ.
بهذا يظهر أن خيار المجلس مقصور عند هؤلاء على
ما قبل تمام العقد، فإذا أوجب أحد المتعاقدين، فالآخر بالخيار : إن شاء قبل في
المجلس، وإن شاء رد، وهذا هو خيار القبول وخيار الرجوع.
وقال الشافعية والحنابلة : إذا انعقد البيع
بتلاقي الإيجاب والقبول، يقع العقد جائزاً أي غير لازم، ما دام المتعاقدان في
المجلس، ويكون لكل من المتبايعين الخيار في فسخ البيع أو إمضائه ما داما مجتمعين لم
يتفرقا أو يتخايرا، ويعتبر في التفرق : العرف : وهو أن يتفرقا عن مقامهما الذي
تبايعا فيه.
والمراد به التفرق بالأبدان، وهو التفرق حقيقة.
وهو الذي يكون لذكره في الحديث فائدة، لأنه معلوم لكل واحد أن المتعاقدين بالخيار
إذا لم يقع بينهما عقد بالقول.
وهذا هو خيار المجلس الثابت في أنواع البيع،
لما روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال: "البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، أو
يقول أحدهما للآخر : اختر" أي اختر اللزوم.
شروط البيع :
شرائط الانعقاد :
وهي ما يشترط تحققه لاعتبار العقد منعقداً
شرعاً، وإلا كان باطلاً. وقد اشترط الحنفية لانعقاد البيع أربعة أنواع من الشروط :
في العاقد، وفي نفس العقد، وفي مكانه، وفي المعقود عليه.
أما ما يشترط في العاقد فهو شرطان :
1-أن يكون العاقد عاقلاً أي مميزاً، فلا ينعقد
بيع المجنون والصبي غير العاقل. ولا يشترط البلوغ عند الحنفية، فيصح تصرف الصبي
المميز.
2-
أن يكون العاقد متعدداً : فلا ينعقد البيع
بواسطة وكيل من الجانبين إلا في الأب ووصيه والقاضي والرسول من الجانبين، بخلاف
الوكيل في عقد النكاح، فإنه يصح أن يعقد النكاح وكيل من الجانبين.
والفرق بين البيع والنكاح : هو أن للبيع حقوقاً
متضادة مثل التسليم والتسلم والمطالبة بتسليم المبيع وقبض الثمن والرد بالعيب
والخيارات. ويستحيل أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلماً، طالباً
ومطالباً، وهذا محال. وبما أن حقوق العقد مقتصرة على العاقد فلا يصير كلام العاقد
كلام الشخصين. وأما الوكيل في النكاح فإن حقوق العقد لا ترجع إليه، وإنما ترجع إلى
الموكل فكان سفيراً محضاً بمنزلة الرسول.
وقد استثني الأب فيما يبيع مال نفسه من ابنه
الصغير، بمثل قيمته أو بما يتغابن الناس فيه عادة، أو يشتري مال الصغير لنفسه، لأنه
حينئذ اقترب من مال اليتيم بالتي هي أحسن، لكمال شفقته ووفرة رعايته بحكم طبيعة
الحال. والوصي مثل الأب عند أبي حنيفة إذا تصرف بما فيه نفع ظاهر لليتيم أو بمثل
القيمة، لأنه مرضي الأب، والظاهر ما رضي به إلا لوفور شفقته على الصغير.
والقاضي لا ترجع إليه حقوق العقد، فكان بمنزلة
الرسول، والرسول لا تلزمه حقوق العقد، لأنه معبر وسفير، فجاز لكل من القاضي والرسول
تولي العقد عن الجانبين.
وأما ما يشترط في نفس العقد فهو شرط واحد :
وهو أن يكون القبول موافقاً للإيجاب.
وأما ما يشترط في مكان العقد : فهو شرط
واحد أيضاً وهو اتحاد مجلس الإيجاب والقبول. ومجلس البيع : هو الاجتماع الواقع لعقد
البيع.
وأما ما يشترط في المعقود عليه أي
المبيع فهو أربعة شروط :
1-
أن يكون المبيع موجوداً : فلا ينعقد بيع
المعدوم قبل وجوده وماله خطر العدم. من أمثلة الأول : بيع نتاج النتاج أي ولد ولد
هذه الناقة مثلاً، وبيع الثمر قبل انعقاد شيء منه على الشجرة. ومن أمثلة الثاني :
بيع الحمل، وبيع اللبن في الضرع، فكل من الحمل واللبن متردد بين الوجود وعدم الوجود
فهما على خطر العدم.
ودليله في الجملة : أنه صلى الله عليه وسلم نهى
عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها. ويلحق به بيع ياقوتة فإذا هي زجاج، ففي هذا غلط في
الجنس فلا ينعقد البيع، لأن المبيع معدوم.
ويستثنى بيع السلم والاستصناع وبيع الثمر على
الشجر بعد ظهور بعضه في رأي بعض الحنفية.
2-
أن يكون المبيع مالاً متقوماً :
والمال عند الحنفية : ما يميل إليه الطبع ويمكن
ادخاره لوقت الحاجة. وبعبارة أخرى : هو كل ما يمكن الإنسان وينتفع به على وجه
معتاد. والأصح أنه هو كل عين ذات قيمة مادية بين الناس. والمتقوم : ما يمكن ادخاره
مع إباحته شرعاً. وبعبارة أخرى : هو ما كان محرزاً فعلاً ويجوز الانتفاعبه في حال
الاختيار، فلا ينعقد بيع ما ليس بمال كالإنسان الحر والميتة والدم، ولا بيع مال غير
متقوم كالخمر والخنزير في حق مسلم، ويجوز بيع آلات الملاهي عند أبي حنيفة لإمكان
الانتفاع بالأدوات المركبة منها، وعند بقية الأئمة : لا ينعقد بيع هذه الأشيءا،
لأنها معدة للفساد.
3-
أن يكون مملوكاً في نفسه : أي محرزاً وهو ما
دخل تحت حيازة مالك خاص. فلا ينعقد بيع ما ليس بمملوك لأحد من الناس مثل بيع الكلأ
ولو في أرض مملوكة، والماء غير المحرز، والحطب، والحشيش، والصيود التي في البراراي،
وتراب الصحراء ومعادنها، وأشعة الشمس والهواء، ولقطات البحر وحيواناتالبر في
البراري.
4-
أن يكون مقدور التسليم عند العقد :
فلا ينعقد بيع معجوز التسليم، وإن كان مملوكاً
للبائع، مثل الحيوان الشارد والطير في الهواء، والسمك في البحر بعد أن كان في يده.
شروط الإيجاب والقبول :
يفهم مما ذكرناه من شرائط الانعقاد أنه يشترط
في الإيجاب والقبول ثلاثة شروط :
1-
الأهلية :
هي عند الحنفية أن يكون كل من الموجب والقابل
عاقلاً مميزاً يدرك ما يقول ويعنيه حقاً، فهو في الحقيقة شرط في العاقد لا في
الصيغة، إلا بالنظر لصدورها من العاقدين. والتمييز مقدر بتمام السنوات السبع، فلا
ينعقد بيع المجنون والصبي غير المميز، لأن العقد ارتباط بين إرادتي طرفيه.
والكلام ونحوه كالكتابة والإشارة دليل على
هاتين الإرادتين، فكان لابد من أن يكون هذا الدليل صادراً من مميز عاقل.
والبلوغ والاختيار ليس من شروط الانعقاد عند
الحنفية.
بيع الصبي المميز :
قال الحنفية والمالكية والحنابلة : ينعقد تصرف
الصبي المميز بالبيع والشراء فيما أذن له الولي، وإلا كان موقوفاً على أجازة وليه.
ودليلهم أن المدار في التصرف على إذن الولي، لا على الصبي، فصح البيع، لأن الصبي
حينئذ كالدلال، والعاقد غيره، ولأن دفع المال إلى الصبي بعد رشده متوقف على اختباره
بالبيع والشراء، وأنه يغبن أم لا، فكان لابد من القول بصحة تصرفاته وعقوده، ولكن
بإذن الولي لتحصيل المصلحة وحفظ أمواله.
وقال الشافعية : لا ينعقد بيع الصبي لعدم
أهليته، وشرط العاقد بائعاً أو مشترياً : أن يكون راشداً : وهو أن يتصف بالبلوغ
وصلاح الدين والمال، ودليلهم قوله تعالى : {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ
أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] والتصرف
بالبيع والشراء في معنى إعطاء السفهاء المال لاستلزام البيع والشراء لبذل المال،
والجامع بينهما نقص العقل المؤدي بكل منهما لإضاعة المال في غير طريقه الشرعي.
بيع المكره وبيع التلجئة :
بيع المكره :
قال جمهور الحنفية : إن عقود البيع والشراء
والإيجار ونحوها من المكره إكراهاً ملجئاً أو غير ملجئ تكون فاسدة، لأن الإكراه
يزيل الرضا الذي هو شرط في صحة هذه العقود، لقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ
تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] وحينئذ يحق للمستكره
فسخ ما عقد أو إمضاؤه.
وقال الشافعية والحنابلة : يشترط أن يكون
العاقد مختاراً طائعاً في بيع متاع نفسه، فلا ينعقد بيع المكره في ماله بغير حق،
لقوله تعالى : {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} ولقوله
عليه الصلاة والسلام : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
وأما الإكراه بحق فلا يمنع من انعقاد العقد،
إقامة لرضا الشرع مقام رضاه، مثل الإجبار على بيع الدار لتوسعة المسجد أو الطريق أو
المقبرة، أو على بيع سلعة لوفاء دين أو لنفقة زوجة أو ولد أو الأبوين، أو لأجل وفاء
ما عليه من الخراج الحق.
وقال المالكية : بيع المكره غير لازم، فيكون
للعاقد المستكره الخيار بين فسخ العقد أو إمضائه.
بيع التلجئة :
صورة بيع التلجئة أو بيع الأمانة : أن يخاف إنسان اعتداء ظالم على بعض
ما يملك، فيتظاهر هو ببيعه لثالث فراراً منه ويتم العقد مستوفياً أركانه وشرائطه.
وقد اختلف العلماء في شأنه.
فقال الحنابلة : إنه عقد باطل غير صحيح، لأن
العاقدين ما قصدا البيع، فلم يصح منهما كالهازلين. وعبارة الحنفية : بيع المضطر
وشرؤاه فاسد.
وقال الشافعي : هو بيع صحيح، لأن البيع تم
بأركانه وشروطه، وأتي باللفظ مع قصد واختيار خالياً عن مقارنة مفسد، فصح كما لو
اتفقا على شرط فاسد، ثم عقد البيع بغير شرط. وأما عدم رضاه بوقوعه فهو كظنه أنه لا
يقع، لا أثر له لخطأ ظنه.
2-
الشرط الثاني -
من شروط صيغة البيع : أن يكون القبول
موافقاً للإيجاب : بأن يرد على كل ما أوجبه البائع وبما أوجبه فإذا قال إنسان
لآخر : بعتك هذين الثوبين بألف ليرة، فقال المشتري : قبلت في هذا الثوب، وأشار إلى
واحد منهما، لا ينعقد البيع. وإذا قال لآخر : بعتك هذه الدار بما فيها من مفروشات
بألفي ليرة، فقال المشتري : قبلت شراءها دون ما فيها بألف ليرة مثلاً، لم ينعقد
العقد أيضاً، لتفريق الصفقة على البائع، والمشتري لا يملك تفريقها، لأن من عادة
التجار ضم الرديء إلى الجيد، ترويجاً للرديء بواسطة الجيد.
فلو قبل المشتري بأكثر مما طلب، انعقد البيع :
لأن القابل بالأكثر قابل بالأقل طبعاً، غير أنه لا يكون ملزماً إلا بالثمن الذي
طلبه البائع.
ولو قبل بأقل مما ذكر البائع، لا ينعقد العقد.
وكذا لو خالف في وصف الثمن لا في قدره، كأن
أوجب البائع البيع بثمن حالّ، فقبل المشتري بثمن مؤجل، أو أوجب بأجل إلى شهر معين
فقبل المشتري بأجل أبعد منه، فلا ينعقد البيع في الحالتين، لعدم تطابق القبول مع
الإيجاب.
3-
أن يتحد مجلس العقد :
بأن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، بأن
كان الطرفان حاضرين معاً، أو في مجلس علم الطرف الغائب بالإيجاب. ونتائج هذه الشرط
ما يلي :
لو أوجب أحد الطرفين البيع فقام الآخر عن
المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس، ثم قبل، لا ينعقد البيع.
ولكن يشترط الفور في القبول، لأن القابل يحتاج إلى التأمل، ولو اقتصر على الفور لا
يمكنه التأمل، واعتبر المجلس الواحد جمعاً للمتفرقات للضرورة.
وكذلك قال المالكية : لا يضر في البيع الفصل
بين الإيجاب والقبول إلا أن يخرج عن البيع لغيره عرفاً.
وقال الشافعية والحنابلة : يشترط أن يكون
القبول بعد الإيجاب بألا يفصل بينهما فاصل كثير : وهو ما أشعر بالإعراض عن القبول.
ولا يضر الفصل اليسير لعدم إشعاره بالإعراض عن القبول. ويضر تخلل كلام أجنبي عن
العقد ولو يسيراً بين الإيجاب والقبول.
التعاقد حالة المشي أو الركوب :
إذا تبايعا وهما يمشيان أو يسيران على دابة
واحدة أو دابتين : فإن اتصل الإيجاب والقبول من غير فصل بينهما، انعقد العقد، حتى
ولو مشيا خطوة أو خطوتين جاز، فإن كان بين القبول والإيجاب فصل وسكوت، وإن قل، لا
ينعقد العقد، لأن المجلس تبدل بالمشي والسير. بخلاف الوكالة فإنها لا تقتصر عليها
وتوكيل الرجل زوجته بتطليق نفهسا يقتصر على المجلس.
ولو تبايعا وهما واقفان، انعقد البيع، لاتحاد
المجلس.
ولو أوجب أحدهما البيع وهما واقفان، فسار الآخر
قبل القبول أو سارا جميعاً أو سار البائع قبل القبول، ثم قبل المشتري بعدئذ لا
ينعقد، لأنه لما سار أحدهما أو سارا، فقد تبدل المجلس قبل القبول، ويجعل السير
دليلاً على الإعراض.
التعاقد على ظهر سفينة أو طائرة :
لو تبايع الطرفان على سفينة أو طائرة أو قطار،
انعقد العقد، سواء أكانت هذه الوسائل واقفة أم جارية، بخلاف المشي على الأرض والسير
على الدابة، لأن الشخص لا يستطيع إيقاف تلك الوسائل، فاعتبر المجلس فيها مجلساً
واحداً، وإن طال، أما الدابة، فإنه يستطيع إيقافها.
التعاقد مع غائب :
إذا أوجب أحد المتعاقدين البيع أو الشراء
والآخر غائب، فبلغه الإيجاب، فقبل، لا ينعقد البيع، كأن يقول : "بعت هذه البضاعة من
فلان الغائب" فبلغه الخبر، فقبل : لا يصح، لأن القاعدة الأصلية في هذا : أن أحد
شطري العقد الصادر من أحد العاقدين في البيع يتوقف على الآخر في مجلس العقد "أي يظل
قائماً ساري المفعول ضمن المجلس لا بعده" ولا يتوقف على الشطر الآخر من العاقد
الآخر فيما وراء المجلس بالاتفاق، إلا إذا كان عنه قابل "أي وكيل" أو كان بالرسالة
أو الكتابة.
التعاقد بواسطة رسول :
أما الرسالة : فهي أن يرسل أحد المتعاقدين
رسولاً إلى رجل فيقول المتعاقد الآخر : "إني بعت هذا الثوب من فلان الغائب بكذا"
فاذهب إليه، وقل له : "إن فلاناً باع ثوبه منك بكذا" فجاء الرسول، وأخبره بما قال،
فقال المشتري في مجلس أداء الرسالة : "اشتريت" أو "قبلت" : تم البيع بينهما، لأن
الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل، فكأنه حضر بنفسه وخوطب بالإيجاب فقبل، فينعقد
العقد.
التعاقد بالمراسلة :
أما الكتابة : فهي أن يكتب رجل إلى آخر : "أما
بعد، فقد بعت فرسي منك بكذا" فبلغه الكتاب، فقال في مجلسه "أي مجلس بلوغ الكتاب" :
"اشتريت أو قبلت". ينعقد البيع لأن خطاب الغائب كتابة يجعله كأنه حضر بنفسه، وخوطب
بالإيجاب فقبل في المجلس، فإن تأخر القبول إلى مجلس ثان لم ينعقد البيع.
وللكاتب أن يرجع عن إيجابه أما شهود بشرط أن
يكون قبل قبول الآخر ووصول الرسالة. ويرى جمهور المالكية أنه ليس للموجب الرجوع قبل
أن يترك فرصة للقابل يقرر العرف مداها.
مبدأ وحدة الصفقة وتفريقها :
اتفق العلماء على ضرورة اتحاد الصفقة من حيث
المبدأ، لأن من شرائط انعقاد البيع الشرط المذكور قريباً : وهو أن يكون القبول
موافقاً للإيجاب، إلا أن هناك اختلافات جزئية في تحقيق هذا المبدأ أو عدم تحقيقه أي
تفريق الصفقة.
فقال الحنفية : لا بد من معرفة ما يوجب اتحاد
الصفقة وتفريقها، وذلك إما بسبب العاقدين أو بسبب المبيع.
أ- أما بالنسبة للعاقدين : فإن اتحد شخص الموجب
سواء أكان بائعاً، أم مشترياً، وتعدد القابل المخاطب، لم يجز للقابلين تفريق الصفقة
بأن يقبل أحدهما البيع دون الآخر. وإن انعكس الأمر فتعدد الموجب واتحد القابل، لم
يجز للقابل القبول في حصة أحد الموجبين دون الآخر. مثال الحالة الأولى : أن يقول
البائع لمشتريين : يعتكما هذه السلعة بألف ليرة، فقال أحدهما : اشتريت، ولم يقبل
الآخر، كانت الصفقة متعددة، فلم ينعقد العقد إلا باتفاق جديد. ومثال الحالة الثانية
: أن يقول شخص لمالكي سلعة : اشتريت منكما هذه السلعة بألف ليرة مثلاً، فباعه
أحدهما دون الآخر، فإن الصفقة تتعدد في هذه الحالة، فلا ينعقد العقد.
ب- وأما بالنسبة للمبيع : فإن اتحد العاقدان،
وقبل أحدهما في بعض المبيع دون بعض، لم يصح العقد، لتفرق الصفة.
وإن اتحد العاقدان، وتعدد المبيع، فإما أن يكون
المبيع مثليين أو مثلياً وقيمياً في كلتا الحالتين لا يجوز للمشتري أن يقبل في أحد
المبيعين، ويرفض الآخر، فإن فعل، تعددت الصفقة، وحينئذ لا يتم البيع إلا برضا جديد
من البائع بما قبل به المشتري، فيصبح القبول إيجاباً، والرضا قبولاً، ويبطل الإيجاب
الأول.
غير أن هناك فرقاً بين الحالتين : وذلك في قسمة
الثمن على أجزاء المبيع وفي وحدة الصفقة وتعددها. فإذا كان المبيع مثليين كقفيزين
من أرز أو كمدين من حنطة أو رطلين من حديد، وقبل المشتري في أحدهما، انقسم الثمن
بنسبة أجزاء المبيع، فيكون ثمن الجزء الذي تم فيه المبيع في هذا المثال نصف الثمن
الأصلي المذكور لجزئي المبيع؛ لأن الثمن في الثليات ينقسم على المبيع باعتبار
الأجزاء، فكانت حصة كل جزء من الثمن معلوماً. وتكون الصفقة عندئذ واحدة. ويشبه
المثليات (المكيل والموزون) في قسمة الثمن عليه بالأجزاء ما إذا كان المبيع شيئاً
واحداً كحيوان واحد.
وإذا كان المبيع من غير المثليات أي القيميات
كثوبين ودابتين، لا ينقسم الثمن على المبيع باعتبار الأجزاء، لعدم تماثل الأجزاء،
وإذا لم ينقسم الثمن في هذه الحالة، بقيت حصة كل واحد من جزئي المبيع من الثمن
مجهولة، وجهالة الثمن تمنع صحة البيع. فإن أريد تصحيح الصفقة فلا بد من أحد أمرين :
إما أن يكرر البائع لفظ البيع بأن يقول : بعتك
هذين الثوبين، بعتك هذا بألف، وبعتك هذا بألف، أو اشتريت منك هذين المتاعين، اشتريت
هذا بمائة، واشتريت هذا بمائة. فيصح العقد، ويصبح هنا صفقتان.
وإما أن يفرق الثمن على أجزاء المبيع، بأن يقول
البائع : بعتك هذين الكتابين، هذا بمئة، وهذا بخمسين، فقبل المشتري في أحدهما، جاز
البيع لانعدام تفريق الصفقة الواحدة من المشتري، بل البائع هو الذي فرق الصفقة، حيث
سمى لكل واحد من المبيعين ثمناً على حدة، فكانت هذه الحالة صفقات معنى، وإلا لو كان
غرض البائع ألا يبيع المبيعين للمشتري إلا جملة واحدة، لم تكن هناك فائدة لتعيين
ثمن كل منهما على انفراد.
وقال أبو حنيفة والمالكية : إذا اشتملت الصفقة
على حلال وحرام، كالعقد على سلعة متقومة وخمر، أو خنزير، أو غيرهما، فالصفقة كلها
باطلة.
ولو باع الرجل ملكه وملك غيره في صفقة واحدة،
صح البيع فيهما، ويلزم البيع فيما يملكه المالك، ويتوقف اللزوم في ملك الغير على
إجازته، وهذا باتفاق الحنفية والمالكية، لأنهم يصححون العقد الموقوف أو عقد
الفضولي.
وقال الشافعية والحنابلة : تفريق الصفقة معناه
: أن يبيع ما يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه صفقة واحدة بثمن واحد، وهو ثلاثة أقسام :
أحدهما-
أن يبيع معلوماً ومجهولاً بثمن واحد، لقوله : بعتك هذا الكتاب وكتاباً
آخر، وهما ملك له بمئة ليرة مثلاً، لم يصح البيع فيهما؛ لأن المجهول لا يصح بيعه
لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل لمعرفته، لأن معرفته إنما تكون بتقسيط
الثمن عليهما، والمجهول لا يمكن تقويمه، فيتعذر التقسيط.
الثاني-
أن يكون المبيعان مما ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء، كشيء مشترك بين
اثنين، فباعه كله أحدهما بغير إذن شريكه، وكشيئين من المثليات مثل قفيزين من صبرة
واحدة باعهما من لا يملك إلا بعضهما، فالأصح أن يصح البيع فيما يملكه بقسطه من
الثمن، ويفسد فيما لا يملكه؛ لأن لكل واحد منهما حكماً مستقلاً حالة إفراده بالبيع،
فإذا جمع مع غيره ثبت لكل واحد منهما حكمه الخاص به.
الثالث-
أن يكون المبيعان معلومين مما لا ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء أي أن
تشتمل الصفقة على حلال وحرام كخل وخمر وشاة وخنزير، وميتة وشاة مذكاة، ونحوها من
القيميات، فعند الشافعي أن البيع يصح في الحلال ويبطل في الحرام. وفي كيفية توزيع
الثمن على هذه الأشياء أوجه ثلاثة عند الشافعية أشهرها أنه يوزع الثمن على المبيعين
باعتبار الأجزاء، فيقدر الخمر خلاً، والخنزير شاة، والميتة مذكاة.
ورجح بعض الحنابلة : وهو أنه يفسد البيع في
المبيعين جميعاً.
فإن كانت الصفقة مشتملة على مال للبائع ومال
لغيره لا ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء، فالأصح عند الشافعية أيضاً أن البيع يصح
فيما يملكه، ويبطل فيما لا يملكه ويوزع الثمن حسب القيمة لكل منهما، وعند الحنابلة
: الأصح أنه يبطل البيع في المبيعين جميعاً.
وقال الحنابلة والشافعية فيما يتعلق بخيار تفرق
الصفقة : متى صح البيع في بعض الصفقة : فإن كان المشتري عالماً بالحال كأن يعلم أن
المبيع مما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء كما ذكرنا، فلا خيار له، لأنه اشترى على
بصيرة. وإن لم يعلم بالحال، مثل أن يشتري رجل متاعاً يظنه كله للبائع، فبان أنه لا
يملك إلا نصفه، أو متاعين فتبين أنه لا يملك البائع إلا أحدهما، فله الخيار بين
الفسخ والإمساك، لأن الصفقة تبعضت عليه. وأما البائع عند إمساك المشتري جزء المبيع،
فلا خيار له في الأصح؛ لأنه رضي بزوال ملكه عما يجوز بيعه بقسطة من الثمن.
فإن تلف أحد المبيعين صفقة واحدة قبل القبض،
فيفسخ العقد في التالف بلا خلاف. وأما الباقي فللمشتري الخيار فيه بين إمساكه بحصته
من الثمن، وبين الفسخ، لتبعض الصفقة عليه.
آراء العلماء في تصرف الفضولي :
الفضولي في الأصل : من يشتغل بما لا يعنيه أو
يعمل عملاً ليس من شأنه، ومنه سمي فضولياً: من يتصرف في شيء أو يعقد عقداً من
العقود، دون أن يكون له ولاية ما على القيام به، كمن يبيع أو يشتري للغير، أو يؤجر
أو يستأجر لغيره، دون وكالة أو وصاية أو ولاية له على العقد، وبدون إذن من الغير.
وبيع الإنسان ملك غيره دون إذن منه شائع في الحياة العملية كما في بيع الأزواج ملك
زوجاتهم أو بيع الأفراد ملك الحكومة أو ملك من تغيب حتى طالت غيبته.
ويلاحظ أن الفضولي : هو من يتصرف فيما تظهر
ملكية غيره له، وإلا كان تصرفه من بيع ما لا يملك، وهو منهي عنه.
ومحل بحثنا : أن يبيع الرجل مال غيره بشرط : إن
رضي به صاحب المال أمضي البيع، وإن لم يرض فسخ، أو يشتري الرجل للرجل بغير إذنه على
أنه إن رضي المشتري، صح الشراء وإلا لم يصح، فالفضولي : هو المتصرف للغير بغير
إذنه. وقد اختلف الفقهاء في حكم تصرف الفضولي.
فأما الحنفية : فقد فرقوا بين البيع والشراء،
ففي حالة البيع ينعقد تصرف الفضولي صحيحاً موقوفاً، سواء أضاف الفضولي العقد إلى
نفسه أم إلى المالك، لأنه لا يمكن نفاذ العقد على العاقد.
وفي حالة الشراء : إن أضاف الفضولي الشراء
لنفسه، مع أنه يريد في نيته الشراء لغيره، كان الشراء له هو نفسه إن صح أن ينفذ
عليه، لأن الأصل أن يكون تصرف الإنسان لنفسه لا لغيره.
وأما إن أضاف الشراء لغيره أو لم يجد عقد
الشراء نفاذاً على الفضولي بأن كان صبياً أو محجوراً عن التصرف، انعقد الشراء
صحيحاً موقوفاً على إجازة الغير، أو من اشترى له، فإن أجازه نفذ عليه، واعتبر
الفضولي وكيلاً ترجع إليه حقوق العقد.
وفي الجملة : إن تصرفات الفضولي جائزة موقوفة
على إجازة صاحب الشأن عند الحنفية، وتصرفات الفضولي مثل بيع المسلم والمغصوب وبيع
الوكيل هي من الحالات المستثناة من بيع ما ليس مملوكاً للإنسان.
وقال المالكية : تعتبر تصرفات الفضولي وعقوده
بصفة عامة في حالة البيع وحالة الشراء منعقدة موقوفة على إجازة صاحب الشأن. فإن
أجازها جازت ونفذت وإلا بطلت، لأن الإجازة اللاحقة كالإذن أو الوكالة السابقة.
استدل الحنفية والمالكية بآيات البيع التي وردت
عامة لم يستثن منها كون العاقد فضولياً، مثل قوله تعالى : {وأحلَّ اللهُ
البَيْعَ} وقوله سبحانه : {يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تَأْكُلوا
أمْوالكُمْ بَينَكُمْ بِالباطِلِ، إلا أنْ تكونَ تِجارَة عَن تَراضٍ مِنكُم}
وقوله : {فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا
مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10].
والفضولي كامل الأهلية، فإعمال عقده أولى من
إهماله، وربما كان في العقد مصلحة للمالك، وليس فيه أي ضرر بأحد، لأن المالك له ألا
يجيز العقد، إن لم يجد فيه فائدته. وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما
يرويه البخاري وغيره : أعطى عروة البارقي ديناراً ليشتري له به شاة فاشترى له به
شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فقال : "بارك الله لك في صفة
يمينك". وروى الترمذي وأبو داود عن حكيم بن حزام : أن النبي صلى الله عليه وسلم
أعطاه ديناراً ليشتري به شاة يضحيها، فاشترى شاتين بالدينار، وباع إحداهما بدينار
جاء به هو والشاة للرسول صلى الله عليه وسلم، فأثنى عليه، ودعا له بالبركة قائلاً :
"بارك الله لك في صفقتك" فالنبي عليه السلام لم يأمر في الحالتين في الشاة الثانية
لا بالشراء ولا بالبيع.
وقال الحنابلة : لا يصح تصرف فضولي مطلقاً أي
ببيع أو شراء أو غيرهما، ولو أجيز تصرفه بعد وقوعه إلا إن اشترى الفضولي في ذمته،
ونوى الشراء لشخص لم يسمه، فيصح، أو اشترى بنقد حاضر ونوى لشخص لم يسمه، فيصح، ثم
إن أجاز الشراء من اشتري له، وملكه من حين الشراء، وإن لم يجزه وقع الشراء للمشتري
ولزمه حكمه. وقال ابن رجب : تصرف الفضولي جائز موقوف على الإجازة إذا دعت الحاجة
إلى التصرف في مال الغير أو حقه، وتعذر استئذانه إما للجهل بعينه أو لغيبته ومشقة
انتظاره.
وقال الشافعية : يشترط في المبيع أن يكون
مملوكاً لمن له العقد، فبيع الفضولي باطل من أساسه لا ينعقد أصلاً فلا تلحقه إجازة
صاحب الشأن، ودليلهم ما رواه أبو داود والترمذي - وقال: إنه حسن - عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال : "لا بيع إلا فيما تملك". وصح أيضاً النهي عن بيع ما ليس عند
الإنسان أي ما ليس مملوكاً للبائع، وذلك للغرر الناشئ عن عدم القدرة على التسليم
وقت العقد، وما يترتب عليه من النزاع. وقالوا عن حديث عروة البارقي أو حكيم بن حزام
: إنه محمول على أنه كان وكيلاً مطلقاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه أنه
باع الشاة وسلمها، فهي وكالة خالف فيها الوكيل إلى خير فينفذ تصرفه. وأما شراء
الفضولي في رأي هؤلاء فيعتبر شراء لنفسه، ويلزمه هو وحده ولا ينتقل الملك عنه إلى
غيره إلا بعقد جديد كما هو رأي الحنيفة.
شروط إجازة تصرف الفضولي :
اشترط الحنفية لإجازة عقد الفضولي شروطاً :
1-
أن يكون للعقد مجيز حالة العقد : أي من كان
يستطيع إصدار العقد بنفسه، لأن ماله مجيز متصور منه الإذن بإتمام العقد للحال، وبعد
صدور التصرف. وأما ما لا مجيز له فلا يتصور منه الإذن للحال، والإذن في المستقبل قد
يحدث وقد لا يحدث.
2-
أن تكون الإجازة حين وجود البائع، والمشتري،
والمالك، والمبيع، فلو حصلت الإجازة بعد هلاك أحد هؤلاء، بطل العقد ولم تفد الإجازة
شيئاً، لأن الإجازة تصرف في العقد، فلا بد من قيام العاقدين والمعقود عليه.
3-
ألا يمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند رفض صاحب
الشأن قبل بيع ملك الغير أو اجارته، سواء أضاف العقد لنفسه أو لصاحب المال، ومثل
شراء شيء لغيره أو استئجار شيء لغيره، وأضاف العقد لذلك، ففي هذه الحالات يكون
العقد مرقوناً. أما إن أمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند عدم اجازته فينفذ على
الفضولي كشراء شيء أو استئجاره مضيفاً لنفسه فليزمه هو.
فسخ عقد الفضولي :
فسخ العقد الصادر من الفضولي كبيع مثلاً : قد
يكون من صاحب الشأن المالك للمبيع كما هو واضح، وقد يكون من الفضولي البائع قبل
إجازة المالك، حتى يدفع عن نفسه الحقوق التي تلزمه لو أجاز المالك، وقد يكون من
المشتري ليدفع عن نفسه ما قد يلحقه من ضرر بشرائه من غير صاحب الشأن.
أما في عقد الزواج : فليس للفضولي فسخه، لأنه
عقد ترجع فيها الحقوق إلى الأصيل صاحب الشأن.
هل للفضولي الواحد أن يعقد العقد عن الطرفين ؟
إذا باع الفضولي دار إنسان مثلاً وهما غائبان،
وقبل عن المشتري، أو زوج إنساناً من امرأة وقبل عنهما، فلا ينعقد العقد، لأن تعدد
العاقد شرط في انعقاد العقد، كما سبق بيانه، فلا يتوقف الإيجاب على قبول غائب عن
المجلس في سائر العقود من نكاح وبيع وغيرهما، بل يبطل الإيجاب ولا تلحقه الإجازة
اتفاقاً.
شروط صحة البيع :
شروط الصحة قسمان : عامة وخاصة.
فالشروط العامة :
هي التي يجب أن تتحقق في كل أنواع البيع لتعتبر
صحيحة شرعاً. وهي إجمالاً أن يخلو عقد البيع من العيوب الستة، وهي : الجهالة،
والإكراه، والتوقيت، والغرر، والضرر، والشروط المفسدة.
الأول - الجهالة :
يراد بها الجهالة الفاحشة أو التي تفضي إلى
نزاع يتعذر حله وهو النزاع الذي تتساوى فيه حجة الطرفين بالاستناد إلى الجهالة، كما
لو باع إنسان شاة من قطيع. وهذه الجهالة أربعة أنواع :
1-
جهالة المبيع جنساً أو نوعاً أو قدراً بالنسبة
إلى المشتري.
2-
جهالة الثمن كذلك : فلا يصح بيع الشيء بثمن
مثله، أو بما سيستقر عليه السعر.
3-
جهالة الآجال، كما في الثمن المؤجل، أو في خيار
الشرط، فيجب أن تكون المدة معلومة وإلا فسد العقد. ويلاحظ أن الذي يجوز تأجيله لأجل
معلوم في عقد البيع هو الثمن أو المبيع إذا كان كل منهما ديناً ثابتاً في الذمة،
فإن كان الثمن أو المبيع عيناً، فلا يجوز تأجيله باتفاق العلماء، فلو باع شخص سلعة
معينة على أن يسلمها بعد شهر، أو اشترى شخص آخر بثمن عين على أن يدفع الثمن بعد
شهر، فالبيع فاسد، ولو كان الأجل معلوماً، لأن الأجل شرع ترفيها ليتمكن العاقد من
الحصول على العوض أثناءه، وهذا أمر يليق بالديون لأنها ليست معينة في البيع، ولا
يليق بالأعيان المعينة لأن المبيع العين معين حاضر، فيكون تأخير تسليمه ملحقاً
ضرراً من غير فائدة أو تحصيلاً لحاصل.
4-
الجهالة في وسائل التوثيق، كما لو اشترط البائع
تقديم كفيل أو رهن بالثمن المؤجل، فيجب أن يكونا معينين وإلا فسد العقد.
الثاني - الإكراه :
هو حمل المستكره على أمر يفعله وهو نوعان :
1-
إكراه ملجئ أو تام : وهو الذي يجد المستكره
نفسه مضطراً به لفعل الأمر المكره عليه، وذلك كالتهديد بالقتل أو الضرب الذي يخشى
منه ضياع عضو.
2-
إكراه غير ملجئ أو ناقص : كالتهديد بالحبس أو
الضرب أو إيقاع الظلم به كمنع ترقيته في وظيفته أو إنزاله درجة.
والإكراه بنوعيه يؤثر في البيع، فيجعله فاسداً
عند جمهور الحنفية وموقوفاً عند البعض. فيملك المشتري المبيع بالقبض إذا اعتبر
فاسداً، ولا يملكه مطلقاً بالقبض إذا اعتبر موقوفاً، والأرجح اعتبار عقد المكره
موقوفاً، لأنه باتفاق الحنفية إذا أجازه المستكره بعد زوال الإِكراه يجوز ويلزم في
حقه، وهذا هو حكم العقد الموقوف لا الفاسد.
الثالث- التوقيت :
هو أن يوقت البيع بمدة كما لو قال : بعتك هذا
الثوب شهراً أو سنة، فيكون البيع فاسداً، لأن ملكية العين لا تقبل التأقيت.
الرابع- الغرر :
المراد به غرر الوصف، كما لو باع بقرة على أنها تحلب كذا رطلاً، لأنه
موهوم التحقق فقد ينقص.
أما لو باعها على أنها حلوب دون تحديد مقدار،
فإنه شرط صحيح. وأما غرر الوجود فهو مبطل للبيع لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن
بيع الغرر : وهو ما كان المبيع فيه محتملاً للوجود والعدم، كبيع نتاج النتاج، وبيع
الحمل الموجود.
الخامس - الضرر :
يراد به ما إذا كان تسليم المبيع لا يمكن إلا
بإدخال ضرر على البائع، فيما سوى المبيع من ماله، كما لو باع جذعاً معيناً في سقف
مبني، أو ذراعاً من ثوب يضره التبعيض، فإن التنفيذ يقضي بهدم ما حول الجذع وتعطيل
الثوب.
وبما أن الفساد هنا لصيانة حق شخصي، لا لحق
الشرع، قرر الفقهاء أن البائع لو نفذ الضرر على نفسه، لأن قلع الجذع أو قطع الثوب
وسلمه إلى المشتري، انقلب البيع صحيحاً.
السادس- الشرط المفسد :
هو كل شرط فيه نفع لأحد المتبايعين، إذا لم يكن
قد ورد به الشرع، أو جرى به العرف، أو يقتضيه العقد، أو يلائم مقتضاه، مثل أن يبيع
سيارة على أن يستخدمها شهراً بعد البيع، أو داراً على أن يظل مقيماً بها مدة معينة،
أو أن يشترط المشتري على البائع في صلب العقد أن يقرضه مبلغاً من المال.
والشرط الفاسد إذا وجد في عقد من عقود
المعاوضات المالية كالبيع والإجارة والقسمة مثلاً أفسده، ولكنه يكون لغواً في
العقود الأخرى، مثل التبرعات والتوثيقات والزواج، وتكون هذه العقود حينئذ صحيحة.
وقد علق الأستاذ مصطفى الزرقاء على ذلك، فقال :
وبما أن عرف الناس مصحح للشروط في نظر الفقهاء، فكل شرط فاسد في الأصل ينقلب صحيحاً
ملزماً إذا تعارفه الناس، وشاع بينهم اشتراطه. وعندئذ نستطيع القول : بأن الشرط
الفاسد قد زال فقهياً من معاملات الناس بمفعول الزمن، وأصبحت الشروط في هذا العصر
كلها صحيحة بمقتضى قواعد الاجتهاد الحنفي نفسه.
وأما الشروط الخاصة :
فهي التي تخص بعض أنواع البيع دون بعض وهي كما
يأتي :
1-
القبض في بيع المنقولات : أي أنه إذا باع شخص
شيئاً من المنقولات التي كان قد اشتراها، فيشترط لصحة بيعه : أن يكون قد قبضها من
بائعها الأول، لأن المنقول يكثر هلاكه، فيكون في بيعه ثانية قبل قبضه غرر، أما إذا
كان عقاراً فيجوز بيعه قبل القبض عند أبي حنيفة.
2-
معرفة الثمن الأول إذا كان البيع مرابحة أو
تولية أو وضيعة أو إشراكاً. وسنذكر تفسيرها.
3-
التقابض في البدلين قبل الافتراق إذا كان البيع
صرفاً.
4-
توافر شروط السلم التي سيأتي ذكرها إذا كان
البيع سلماً.
5-
المماثلة في البدلين إذا كان المال ربوياً
والخلو عن شبهة الربا.
6-
القبض في الديون الثابتة في الذمة، كالمسلم
فيه، ورأس مال السلم، وبيع شيء بدين على غير البائع، فلا يصح بيعها من غير من عليه
الدين إلا بعد قبضها. مثاله : لا يصح لرب السلم أي (المشتري) أن يبيع المال المسلم
فيه قبل قبضه من المسلم إليه (البائع)، ولا يصح للدائن أن يشتري بدينه شيئاً من غير
المدين قبل قبضه.
حقوق البيع التابعة للحكم
:
هي كل تابع للمبيع من الحقوق التي لا بد له منه ولا يقصد إلا لأجله
كالطريق والشرب للأرض، وهي التي تسمى بالمرافق والقاعدة فيها أو الأصل : أن كل ما
كان من الدار متصلاً بها يدخل في بيعها تبعاً بلا ذكر، ومالا فلا يدخل بلا ذكر إلا
ما جرى العرف أن البائع لا يمنعه عن المشتري، فيدخل المفتاح استحساناً للعرف بعدم
منعه بخلاف القفل ومفتاحه والسلَّم غير المتصل بالبناء، وأما الدرج (السلم) في
بنايات الطبقات فتدخل عرفاً، وتفصيل ذلك ما يأتي :
أ- من اشترى بيتاً فوقه آخر لا يدخل فيه العلو،
لأن الشيء لا يستتبع مثله.
ب- يدخل في المبيع ما هو من حقوقه أو مرافقه
الخاصة التابعة له كطريق ومطبخ ومتوضأ ونحوها، لأنها توابع له. فيدخل في بيع الدار
الطريق الداخلي فيها أو النافذ إلى سكة أو طريق عام، والكنيف (وهو المستراح أو بيت
الماء) وبئر الماء، والأشجار التي في صحنها، والحديقة التابعة لها والبستان الذي هو
أصغر منها، وإن لم يصرح بذلك. أما الحديقة أو البستان الخارج عن الدار وكان مثل
الدار أو أكبر، فلا يدخل في البيع. ويدخل الباب الأصلي للدار، والباب الخارجي
المجاور للشارع وهو المسمى بالباب الأعظم، لأنه من مرافقها.
ولا تدخل الظلة في بيع الدار لبنائها على
الطريق، فتأخذ حكمه ولا يدخل الطريق والمسيل والشرب غير الخاص بالدار إلا بالتصريح
بها، لأنها خارج الحدود، كأن يشتريها بكل حق هو لها أو بمرافقها أو بكل قليل وكثير.
وذلك بخلاف الإجارة والرهن والوقف، تدخل فيها كل هذه المرافق بلا حاجة لذكرها لأنها
تعقد للانتفاع بها لا غير. هذا رأي الحنفية القديم، والمعول عليه في ذلك هو العرف
السائد في كل إقليم وعصر.
والإقرار بالدار والصلح عليها والوصية بها
والهبة والنكاح والخلع على مال كالبيع في دخول الطريق ونحوه.
الثمن والمبيع :
تعريف المبيع والثمن :
المبيع والثمن عند جمهور الحنفية من الأسماء
المتباينة الواقعة على معانٍ مختلفة. فالمبيع في الغالب : ما يتعين بالتعيين،
والثمن في الغالب : ما لا يتعين بالتعيين.
وهذا الأصل العام الغالب يحتمل تغيره في
الحالتين بعارض من العوارض، فيصير ما لا يحتمل التعيين مبيعاً كالمسلم فيه، وما
يحتمل التعيين ثمناً كرأس مال السلم، إذا كان عيناً من الأعيان. وعلى هذا فاعتبار
الثمن ديناً في الذمة هو الأغلب، وذلك عندما يكون الثمن نقوداً أو أموالاً أخرى
مثلية ملتزمة بلا تعيين بالذات كالقمح والزيت ونحوهما من كل مكيل أو موزون أو
ذَرْعي أو عددي متقارب.
ويمكن أيضاً أن يكون الثمن أعياناً قيمية
كالحيوان والثياب ونحوهما، كما لو بيعت كمية من السكر إلى أجل بشيء من القيميات،
فالسكر مبيع والعين القيمية ثمن، ويكون البيع سلماً، لأنه بيع مؤجل بمعجل.
|